الاثنين، 26 نوفمبر 2018

الكسل في الطاعات والقربات

أقسام الكَسَل :
وينقسم الكَسَل إلى عدَّة أقسام، أهمها : 1- كسلٌ وفُتُورٌ عام في جميع الطَّاعات، مع كُرْهٍ لها وعدم رغبة فيها، وهذه حال المنافقين؛ فإنَّهم مِن أشدِّ النَّاس كسلًا وفتورًا ونفورًا. قال الله -جل وعلا- فيهم: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النَّساء: 142]، وقال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التَّوبة: 54]. وقال صلى الله عليه وسلم: (( «أثقل الصَّلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبوًا» )) [متفق عليه] . ولفظ (أثقل) على صيغة (أفعل) يدلُّ على أنَّ غيرهما ثقيل، وليس الثُّقل مقتصرًا عليهما.
2- كسلٌ وفُـتُور في بعض الطَّاعات، يصاحبه عدم رغبة فيها دون كُرْهٍ لها، أو ضعف في الرَّغبة مع وجودها، وهذه حال كثير مِن فُسَّاق المسلمين وأصحاب الشَّهوات. وهذان القسمان سببهما مرض في القلب، ويقوى هذا المرض ويضعف بحسب حال صاحبه، فمرض المنافقين أشدُّ مِن مرض الفُسَّاق وأصحاب الشَّهوات، فهم يتمتَّعون بصحَّة في أجسامهم وأبدانهم، قال -سبحانه-: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون: 4]، ولكن قلوبهم مريضة. قال -سبحانه-: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً } [البقرة: 10].
 3- كسلٌ وفُـتُورٌ عامٌّ سببه بدنيٌّ لا قلبيٌّ؛ فتجد عنده الرَّغبة في العبادة، والمحبَّة للقيام بها، وقد يحزن إذا فاتته، ولكنَّه مستمرٌّ في كسله وفُتُوره، فقد تمرُّ عليه اللَّيالي وهو يريد قيام اللَّيل، ولكنَّه لا يفعل- مع استيقاظه وانتباهه- ويقول: سأختم القرآن في كلِّ شهر. وتمضي عليه الأشهر ولم يتمَّه، ويحبُّ الصَّوم، لكنَّه قليلًا ما يفعل. وهذه حال كثيرٍ مِن المسلمين الذين يصابون بهذا الدَّاء، ومنهم أناس صالحون، وآخرون مِن أصحاب الشَّهوة والفِسْق. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} [التَّوبة: 38] وقد يؤدِّي هذا النَّوع إلى أن يشترك بعض المصابين به مع النَّوع الثَّاني، وهو الثُّقل القلبي في بعض العبادات.
4- كسلٌ وفُـتُورٌ عارضٌ يشعر به الإنسان بين حين وآخر، ولكنَّه لا يستمر معه، ولا تطول مدَّته، ولا يوقع في معصية، ولا يخرج عن طاعة. وهذا لا يسلم منه أحد، إلَّا أنَّ النَّاس يتفاوتون فيه -أيضًا-، وسببه -غالبًا- أمرٌ عارض، كتعب أو انشغال أو مرض ونحوها. وهذا النَّوع هو الذي يذكره الصَّحابة -رضي الله عنهم-، ومنه ما رواه مسلم في صحيحه عن حنظلة الأسيدي، وكان مِن كُتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - لقيني أبو بكر فقال: ((كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكِّرنا بالنَّار والجنَّة، حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا مِن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيعات، فنسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فو الله إنَّا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال له مثلما قال لأبي بكر، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم: «والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة: ساعة وساعة. ثلاث مرات» [رواه مسلم] . وروى أحمد عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لعبد الله بن قيس: - ((لا تدع قيام اللَّيل، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدًا)).

المرجع: طريق الإسلام


الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

بين الجيل الذهبي والجيل الرقمي


إنه لا يَخْفى على ذي العين العُقابيَّة أن بِساطَ الحياة يتحرَّكُ من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، بعقليَّات مختلفة وأفكار متنوعة، سواء كانت هدَّامةً أو بنَّاءةً، في كلٍّ مِن البَدْو والحَضَر؛ لكن لا يختلف اثنان، ولا يتخاصَمُ عاقِلانِ، على فكرة أساسية أصبحَت المشتركَ في عَصْرِنا، ألا وهي أن قِيَمَ العَصْر قد تغيَّرَتْ بشكلٍ عجيبٍ ما بين جيل التسعينيَّات وجيل الألفيَّة الجديدة من القرن الواحد والعشرين.

تغيَّرَ العالم، وتغيَّرَت العقليَّات والأفكار والمنطلقات، إلَّا أن السؤال المطروح: نحو أي اتِّجاه يَصُبُّ هذا التغيُّر؟
سؤال يصعُب الإجابةُ عنه بشكل مباشر؛ إذ يحتاج إلى تدقيق في نوعيَّة التغيير ومجاله والمنطلقات التي يُبْنى عليها، ولا سيَّما أن العالم في الآونة الأخيرة قد شهِدَ طفرةً نوعيَّةً على مستوى العلوم، ما أدَّى إلى انتقالة نوعيَّة في المجتمع، وهذا أسْفَر بشكلٍ مباشرٍ إلى تغيير على مستوى السلوك والأفكار.

هذه الانعكاسات التي انبثقَت من رَحِمِ هذه الطَّفْرة العلمية في حقيقة الأمر، انقلبَتْ بوجهَينِ: أوَّلهما إيجابي، وهذا أمر لا يُنكِره لبيبٌ ولا عاقلٌ؛ إذ سهَّلَتْ أساليبَ العيش على المعمورة، ويسَّرَت التواصُل، وخصوصًا على مستوى الثورة التكنولوجية في مجال الاتِّصال والتواصُل، ومع انتشار وسائل الإعلام، ما أدَّى إلى توسيع المعرفة عالميًّا ومشاركة الثقافات بعضها لبعض.

لكن من جانب آخر، فقد انعكس سَلْبًا هذا التطوُّر على الجيل الحالي على المستوى الفكري، وهنا نضرِب المثال بما أثَّرت به الأفلام الغربية التي تحمِل ثقافةً خاصةً في العالم العربي؛ إذ نرى انحلالًا على المستوى الخُلُقي، وفِقدانًا للموروث الثقافي بتجلِّياته المادية والمعنوية، والمقصود بهذا الكلام أننا على المستوى المادي فَقَدْنا تلك الروابط القائمة بين الجماعات، أو كما يُسمِّيه علماءُ السوسيولولجيا بالعَقْد الاجتماعي، فلم تُعَدُّ روابط الأُخوَّة والمحبَّة والصَّداقة كما سبق العَهْد بها، فبعدما كُنَّا نرى الأصدقاء يلتقُون على جلسة فنجان شاي لمناقشة الأوضاع الاجتماعية والأفكار ومُسْتجدَّات الحياة والتآزُر فيما بينهم على الحلوة والمرَّة، أضحى الحال على فُرْقة قائمة بين صديقَينِ على طاولة واحدة، كل واحد يُعانِق بحميميَّة هاتفه النقَّال، ما جعل جلسة الشاي بحلاوتها الاجتماعية في مقبرة كان.

أما على المستوى المعنوي، فحتى أفكار هذا الجيل تختلف عن أفكار السابقين من الأجيال، وخصوصًا جيل التسعينيَّات وأنا من بين أبناء تلك الحِقْبة، فالمنطلقات الفكرية التي تربَّت عليها أجيالُ ما قبل القَرْن الواحد والعشرين مختلفةٌ تمامًا عن جيل ما بعد هذا القرن، فبعدما كان الاحترام للكبير قبل الصغير هو أساسُ تربيتنا، أضحى الآن عنوان التربية: "الحرية المطلقة"، وحتى وإن كان الفلاسفة والعلماء لا أحد منهم قال بها، ولكن هذا الجيل أخذ الحرية بمفهوم جِد رديءٍ، فالحرية ليست أن تلبَس ما تريد، وأن تقول ما تريد، وأن تعيش كيفما تريد، فهذا يُسمَّى بقانون الغاب؛ لأن المجتمع إذا سار على هذا النهج، أصبحنا وسط زوبعة لا بَرَّ لها؛ ولهذا وُضِعَت القوانين لتحمي السلوك البشري من سيطرة الغريزة عليه.

فالحرية هي أخْذٌ بزمام الحياة والتصرُّف في شؤون الدنيا، وَفْق ما يروقُك مع الانضباط لقوانين المجتمعات، وكذا مع احترام خصوصيات الآخر، ففعلًا لكَ حرية ما تلبَس، لكن ليست لكَ الحرية في أن تلبَس ما لا يقبله المجتمع كيفما كان نَمَط المعيشة فيه.

زِدْ على ذلك أن قِيَم هذا الجيل لا تُراعي مبادئ المحبَّة الحقيقية، (وهذا نموذج من نماذج كثيرة للقِيَم)، فبينما كُنَّا نرى في زماننا أن الحبَّ مفردةٌ تشتمل على كل الأحاسيس، لا نستطيع البَوْح بها أبدًا، وإن نطقناها احمرَّتْ وَجَناتُنا خجلًا، أضحت الآن كلمة "أحبُّك" كأي عنوان لمقهى أو أي اسم لحيوان يُطلَق عبثًا... فاقدًا لحمولته الحقيقية والمركزية.

ولا أنسى أن أُركِّز على أمر أساسي كاد أن يفُوتني، لولا أنني أثناء كتابتي لهذا المقال وجَدْتُ أمامي رسالةً قديمةً، أحبَبْتُ من خلالها أن أُوَصِّلَ لهذا الجيل المعنى الحقيقي لتجلِّيات الحياة من خلال هذه الرسالة؛ إذ ليس المهم مضمونها؛ ولكن أسلوبها ودلالاتها، ففي زماننا وليس بالزمن البعيد، كنا لا نعرف هواتفَ ولا رسائلَ رقميَّةً، فكانت الرسالة المخطوطة هي الوسيلة الوحيدة للتواصُل عن بُعْد، وما أجمل أدب الرسالة! إذ حاليًّا لا أحد يعرِفه، أو لربما ما سمِع عنه أحدٌ من جيل القرن الجديد، دعني أُحدِّثكَ عنه ولو لهنيهة؛ لتعرف الفَرْق الصادم بين جيلَينِ لا يفصِل بينهما إلا عقدانِ:
كانت للرسالة حمولةٌ رمزيةٌ كبيرةٌ، ومَنْ يُتقِنها يُعَدُّ فنَّانًا في الكتابة والأسلوب، فقبل كتابتها تجد نفسَكَ تائهًا بين نوعية المفردات التي ستكتُب وباختصار، ما يدفع كاتبَها ليُصبِح فنَّانًا في اختيار المفردات، ومُبدِعًا في انتقاء أحلاها وأكبرَها استيعابًا للمعاني.

تأخُذ القلم وتبدأ بعبارات السلام، وكلُّها لَحْنٌ يلتصِق بالآذان، وتبدأ في التحيَّة بوِجدان، وتنتقل للتعبير عن مكنون الفؤاد، ولا سيَّما إذا كانت لمحبوبة تائهة بين جُدْران الحياة، أما إذا كانت لفَرْد من العائلة، فهنا يبدأ وابلٌ من الوَصْل بين الأرحام، وتتفنَّن في الوَصْف ونَقْل الأخبار، وتنتهي بعبارات السؤال عن الحال، وتُغلق أبيات رسالتك بأزكى التمنيات بدوام الصحة وطول العمر والحال.

وبين إرسال الرسالة وانتظار جوابها، كان حاجز من الزمن يجعلُكَ دائمًا في ترقُّب واشتياق لمدة طويلة، كحبيبة تنتظر زوجَها ليعُودَ من ساحة الوَغى، وما أجملها من لحظةٍ حين يأتي الجواب من عند ساعي البريد! فإمساك الرسالة يُعَدُّ إفراجًا عن سجين، وقراءتها يُعتبر حُكْمًا بالبراءة.

أعتقد أن في قولي هذا اختصارًا لحال جيلَينِ، لكلٍّ قِيَمُه ومعتقداته ومنطلقاته، فالقديم يبكي على الطَّلَل والجديد لا عِلْمَ له لا بما مضى ولا بما سيأتي؛ لانشغاله بالتفاهات والثانويَّات من أمور الحياة والإغفال عن أساسيَّاتها، أصبحنا وسط دوَّامة من تخبُّط العقليَّات وجفاف الألباب، وسفسطائية المنطلقات وعبثية الأهداف، فشتَّان بين جيل يبحث عن حلول واقعية لمشاكله، وبين جيل يرى في العُزْلة والتعاسة والانتحار سَهْلًا مُنبسِطًا للهروب من المشاكل دون احتساب العواقب.